ترك السلام علي أهل البدع والفسق
ترك السلام علي أهل البدع والفسقه تعلق كبير بمسألة (( الهجر )) ولذا فإن أحد تعاريف العلماء للهجر :
ترك السلام والكلام عند الملاقاة )) ، وهذا مقتبس من ظاهر حديث عائشة – رضي الله عنها - : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات ،
كل ذلك لا يرد عليه ، فقد باء بإثمه )) . رواه أبو داود . وقال ابن مفلح في الآداب ( 1/287 ) : حديث حسن ا هـ .
إذا تقرر هذا فإن لشيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً متيناً ، يتبين من خلاله متى يسوغ إيقاع الهجر (( المشروع )) ومتى لا يصح إيقاعه .
قال – رحمه الله تعالي :
(( النوع الثاني : الهجر علي وجه التأديب ، وهو هجر من يظهر المنكرات ، يهجر حتى يتوب منها ...
إلى أن قال : وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم .
فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ، ورجوع العامة عن مثل حاله .
فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة ، بحيث يفضي هجره إلي ضعف الشر ، وخفته ، كان مشروعاً ، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك ، بل يزيد الشر ، والمهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة علي مصلحته : لم يشرع الهجر ))
بل التأليف لبعض الناس أنفع من التأليف .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين . اهـ ([35])
وقال في موضع آخر :
وأما هجر التعزيز ، فمثل هجر النبيr وأصحابه : الثلاثة الذين خلفوا ، وهجر عمر والمسلمين : لصبيغ .
فهذا من أنواع العقوبات
فإذا كان يحل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة .
وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد علي فساد الذنب ، فليست مشروعة . . ا هـ ([36])
قال الخلال في كتاب(( المجانبة ))
أبو عبد الله – يعني أحمد بن حنبل - : يهجر أهل المعاصي ، ومن يقارف الأعمال الردية ، أو تعدى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي معني الإقامة عليه ، والإصرار .
وأما من شرب أو سكر ، أو فعل فعلاً من هذه الأشياء المحظورة ، ثم لم يكاشف بها ، ولم يلق فيها جلباب الحياء فالكف عن إعراضهم وعن المسلمين ، والإمساك عن إعراضهم وعن المسلمين أسلم . ا هـ . ([37])
قال شيخ الإسلام فيمن فعل شيئاً من المنكرات ، كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك : فإن كل الرجال متستراً بذلك ، وليس معلناً له : أنكر عليه سراً ، وستر عليه ، إلا أن يتعدى ضرره ، وإذا نهاه المرء سراً ، فلم ينته : فعل ما ينكف به ، من هجرٍ ، وغيره ، إذا كان ذلك أنفع في الدين . ا هـ ([38])
إذا تقرر هذا وعرف ، فإنه يسوغ لنا الآن أن نتكلم عن قضيتنا فنقول :
ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسلم علي الفاسق ، ولا المبتدع .
قال المهلب : ترك السلام علي أهل المعاصي سنة ماضية . وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع ([39])
فتحصل مما سبق علي أمور ، منها :
1- لأن، الهجر في الشرع إنما وضع للزجر ، فإذا وجدت هذه العلة ، استحب الهجر وذلك كان يهجر الوالد ولده والعالم تلميذه وذو الرياسة من دونه ، وهكذا ممن إذا هجر كان لهجره وقع في نفس المهجور ، بحيث ينكف عما هو سبب لهجره .
2- أن الهجر في الشرع إنما وضع للزجر فإذا لم توجد هذه العلة لم يشرع الهجر ، وقد يحرم ، وقد يكره وقد يباح .
3- أن محل الهجر – علي التفصيل السابق – إنما يكون دائرة المجاهرين بالمعاصي ، أما من استتر ، فالواجب نصحه ، والستر عليه ، فإن لم ينزجر – ففي هذه الحالة – يتخذ معه الآمر ما يناسب حاله ، من هجر أو غيره .
قال الإمام البخاري – رضي الله تتعالي عنه – في صحيحه – كتاب الاستئذان :
باب من لم يسلم على من أقترف ذنباً ، ومن لم يرد سلامه حتى تتبين توبته ، وإلى متى تتبين توبة العاصي ؟
وقال عبد الله بن عمرو :
(( لا تسلموا علي شَرَبة الخمر ))
ثم ساق بسنده عن عبد الله بن كعب قال :
سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك ، ونهى رسول اللهr عن كلامنا ، وآتي رسول اللهr فأسلم عليه ، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا حتى كملت خمسون ليلة ، وآن النبيr بتوبة الله علينا حين صلي الفجر )) . ا هـ
وقال – رحمه الله – في (( الأدب المفرد )) ( 2/472 )
باب لا يسلم علي الفاسق .
ثم ساق بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال :
(( لا تسلموا على شراب الخمر )) .
وعن الحسن أنه قال :
(( ليس بينك وبين الفاسق حرمة )) وعن علي بن عبد الله بن عباس أنه قال (( لا تسلموا علي من يلعب بها – أي الاشترنج – وهى من الميسر )) . ا هـ .
ثم قال : باب من ترك السلام علي المتخلق ، وأصحاب المعاصي وساق فيه عدة أحاديث منها :
حديث أبي سعيد الخدري – t– قال : أقبل رجل من البحرين إلى النبيr فسلم عليه فلم يرد – وفي يده خاتم من ذهب ، وعليه جبة حرير – فانطلق الرجل مجزونا فشكا إلي امرأته ، فقالت : لعل برسول الله جبتك وخاتمك ، فألقها ثم عد . ففعل فرد السلام ..... الحديث . ا هـ ([40])
وقال أبو داود في سننه – كتاب السنة – ( 5/ 8 ) : باب ترك السلام علي أهل الأهواء .
وساق بسنده إلى يحي بن يعمر ، عن عمار بن ياسر قال ([41]) (( قدمت علي أهلي ليلاً ، وقد تشققت يداي ، فخلقوني بزعفران . فغدوت علي النبيr فلم يرد علي ولم يرحب بي . وقال : (( أذهب فاغسل هذا عنك )) فذهبت فغسلته ، ثم جئت وقد بقي علي منه ردع ، فسلمت فلم يرد علي ، ولم يرحب بي . وقال : (( أذهب فاغسل هذا عنك )) فذهبت فغسلته ، ثم جئت فسلمت عليه ، فرد علي ، ورحب بي ، وقال :
(( إن الملائكة لا تحضر جنازة الكفر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ، ولا الجنب )) قال : ورخص للجنب إذا نام أو أكل ، أو شرب أن يتوضأ . ا هـ . ([42])
وفي مسائل الإمام أحمد - رحمه الله تعالي – لأبي داود قال : قلت لأحمد أمر بالقوم يتقاذفون أسلم عليهم ؟
قال هؤلاء قوم سفهاء ، والسلام من أسماء الله تعالي . ا هـ . ([43])
وقال إسحاق بن منصور للإمام أحمد : نمر علي القوم وهم يلعبون بالنرد أو الشطرنج ، نسلم عليهم ؟ فقال ما هؤلاء بقوم يسلم عليهم ([44]) وعن المنقري قال : كان سعيد بن جبير إذا مر علي أصحاب النردشير ([45]) لم يسلم عليهم .
وعن المعافي بن عمران في رجل يمر بالقوم فيراهم علي بعض المنكر ، ويسلم عليهم ؟ قال : إن أراد أن يأمرهم وينهاهم ، فليسلم ، وإلا فلا يسلم . . ا هـ . ([46])
ففي هذه الأخبار : ترك السلام علي المقيم علي المعصية ، إلا لمن أراد نصحه .
وروى الخلال عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجلٍ له جار رافضي يسلم عليه ؟
قال : لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه ([47]) ا هـ
وقال الإمام مالك – رحمه الله تعالي - : لا يسلم علي أهل الأهواء .
قال ابن دقيق العيد : ويكون ذلك علي سبيل التأديب لهم ، والتبري منهم ([48]) . ا هـ
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالي :
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ترك السلام ابتداءً ورداً علي من أحدث حدثاً حتى يتوب منه ، كما هجر كعب بن مالك وصاحبيه . وسلم عليه عمار بن ياسر ، وقد خلقه أهله بزعفران ، فلم يرد عليه ، قال (( اذهب فاغسل هذا عنك )) . ا هـ . ([49])
كتاب أحكام السلام
الشيخ / عبد السلام بن برجس - رحمه الله

















